حين تجدد شركة تسهيلاتها المصرفية لشراء مخزون أو تمويل عقد جديد، تصبح قوة البنك جزءًا من قدرتها على مواصلة العمل. فوجود سيولة كافية ورأس مال قادر على تحمل المخاطر يمنح المصارف مساحة للاستمرار في الإقراض، حتى عندما تتقلب الأسواق وتتغير ظروف التمويل.
هذه هي القيمة العملية وراء تأكيد خالد محمد بالعمى، محافظ مصرف الإمارات المركزي، متانة القطاع المصرفي وارتفاع مستويات السيولة ورأس المال، خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في بانكوك. فالرسالة تتصل بقدرة البنوك على حماية الاستقرار المالي، وبالدور الذي تستطيع أداءه في تمويل النشاط الاقتصادي.
وتكشف البيانات عن قطاع يواصل توسيع التمويل، بينما منحت الإجراءات الاحترازية البنوك مرونة أكبر لاستخدام ما بنته من احتياطيات. وتصبح قوة الميزانيات أكثر فائدة حين تساعد الشركات على تنفيذ أعمالها والمحافظة على دورة المدفوعات والاستثمار.
نمو الودائع يوسع قاعدة التمويل
بلغ إجمالي أصول البنوك العاملة في الإمارات نحو 5.74 تريليون درهم بنهاية أغسطس 2026. ووصل إجمالي الائتمان إلى 2.87 تريليون درهم، بزيادة 72.4 مليار درهم خلال شهر واحد، فيما ارتفعت الودائع إلى نحو 3.53 تريليون درهم.
الأصول تعبر عن حجم الميزانيات المصرفية، ولا تعني أن هذا المبلغ كله نقد متاح للإقراض. أما استمرار نمو الودائع فيوفر قاعدة تمويل تساعد البنوك على تلبية احتياجات العملاء، مع الاحتفاظ بالسيولة المطلوبة للوفاء بالتزاماتها.
وكان الائتمان المحلي محركًا أساسيًا للتوسع في أغسطس، إذ ارتفع 2.8% إلى نحو 2.27 تريليون درهم. وضمن هذا النمو، زاد إقراض الشركات 22.8 مليار درهم، بنسبة 2.4%، بالتوازي مع توسع أسرع في إقراض الأفراد.
وهذا يوضح أن أثر الميزانيات القوية يمتد إلى تمويل قائم بالفعل. لكنه لا يعني أن كل زيادة في الائتمان تتحول تلقائيًا إلى استثمار إنتاجي؛ فوجهة القرض، وقدرة المقترض على السداد، والقيمة التي يضيفها النشاط الممول، تحدد النتيجة الاقتصادية.
رأس المال يمنح البنوك مساحة للاستمرار
دخل القطاع عام 2026 مستندًا إلى تحسن في مؤشرات العام السابق. فقد بلغت نسبة كفاية رأس المال 17% بنهاية 2025، أعلى من المتطلبات الرقابية، بينما انخفضت نسبة القروض المتعثرة إلى 3.3%، مقابل 4.7% في 2024.
رأس المال هو ما يساعد البنك على امتصاص الخسائر، بينما تمكّنه السيولة من الوفاء بالمدفوعات والسحوبات في مواعيدها. وتوافر الاثنين معًا يقلل احتمال اضطراره إلى تقليص التمويل لمجرد مواجهة ضغط مؤقت.
كما أظهرت اختبارات الضغط الرقابية لعام 2025 بقاء متوسط نسبة رأس المال الأساسي المشترك فوق الحد الأدنى المطلوب حتى في السيناريو المعاكس. وهذه نتيجة لاختبار افتراضي لقياس التحمل، وليست خسائر وقعت فعليًا أو ضمانًا لغياب المخاطر.
وفي يوليو 2026، أكد تقييم صندوق النقد الدولي استمرار تمتع البنوك الإماراتية برأس مال وسيولة قويين، مع مواصلة نمو الائتمان والودائع. ويعطي ذلك سندًا إضافيًا لفكرة أن القدرة على التمويل تستند إلى مؤشرات مالية، إلى جانب تصريحات المسؤولين.
الاحتياطيات تصبح أداة لدعم النشاط
في مارس 2026، أقر المصرف المركزي حزمة لتعزيز مرونة المؤسسات المالية. وأتاح للبنوك وصولًا أكبر إلى أرصدة الاحتياطي، يصل إلى 30% من متطلبات الاحتياطي النقدي، مع توفير تسهيلات سيولة لأجل بالدرهم والدولار.
وشملت الحزمة تسهيلات مؤقتة في متطلبات السيولة والتمويل المستقر، وإتاحة استخدام هوامش رأسمالية احترازية، بهدف دعم الاقتصاد. كما أكد المصرف ضرورة استمرار البنوك في تقديم الخدمات التمويلية المطلوبة للعملاء.
تمنح هذه الأدوات معنى عمليًا للاحتياطيات التي تتراكم في الفترات القوية. فعندما تسمح الجهة الرقابية باستخدام جزء منها، تتسع قدرة البنك على تلبية احتياجات التمويل، مع بقاء إدارة المخاطر جزءًا من القرار.
وبالنسبة إلى الشركات، قد تظهر الفائدة في استمرار تسهيلات رأس المال العامل، وتمويل التجارة، وإعادة تمويل الالتزامات المستحقة. وهي قنوات تربط الميزانيات المصرفية مباشرة بشراء المواد ودفع مستحقات الموردين وتنفيذ العقود.
التمويل المتاح يحتاج إلى مشروع قابل للتمويل
وفرة السيولة لا تعني موافقة تلقائية على كل طلب قرض، ولا تضمن انخفاض سعره. يظل القرار مرتبطًا بجدارة العميل وتدفقاته النقدية وضماناته وتكلفة الأموال لدى البنك.
ولهذا وضع بالعمى دعم التمويل المنتج والمستدام للاقتصاد الحقيقي ضمن أولويات المرحلة، إلى جانب تحسين إدارة الأصول والمخاطر. فقوة القطاع تمنح قدرة على التمويل، وتوجيه هذه القدرة إلى أنشطة مجدية هو ما يحولها إلى أثر اقتصادي مستمر.
والمؤشر الذي يستحق المتابعة هو استمرار نمو الائتمان الموجه للأعمال، بالتوازي مع جودة القروض وقدرة الشركات على السداد. حين تتحرك هذه العناصر معًا، تتحول متانة البنوك إلى قدرة أكبر لدى الاقتصاد على تنفيذ مشروعاته ومواصلة نشاطه.




