في مجموعة من مباني هيئة كهرباء ومياه دبي، وفر تحديث أنظمة التبريد والإضاءة والعزل نحو 35.2 جيجاوات ساعة من الكهرباء خلال ست سنوات. المشروع، الذي بدأ عام 2015 واكتمل عام 2024، يقدم مدخلا لفهم سوق تتشكل حول المباني: تحويل جزء من الأموال التي تذهب إلى التشغيل إلى استثمار يخفض تكلفته في السنوات التالية.

هذا هو الرابط بين المبنى المستدام والقرار المالي. فالواجهة التي تحجب الحرارة، والمكيف الأعلى كفاءة، ونظام التحكم الذي يطفئ الإضاءة غير الضرورية، يمكن أن تولد وفورات متكررة. وعندما تكون هذه الوفورات قابلة للقياس والتعاقد، يصبح بالإمكان استخدامها لتغطية تكلفة التحديث وتمويل أعمال جديدة.

ومع توجه الإمارات نحو الحياد المناخي بحلول 2050، الذي أعلنت مبادرته الاستراتيجية في أكتوبر 2021، تتسع أهمية هذا النموذج. إذ تفتح كفاءة المباني مجالا للعمل أمام شركات التبريد والتحكم والصيانة وخدمات الطاقة، إلى جانب شركات البناء.

فاتورة تبدأ من الرسم

في المباني الجديدة، يتحدد جزء من فاتورة التشغيل قبل وصول أول ساكن. اتجاه الواجهات، والعزل، ومساحات الزجاج، والتظليل، كلها تؤثر في كمية الحرارة التي تدخل المبنى، ثم في حجم الطاقة المطلوبة لتبريده.

وتوضح أبراج البحر في أبوظبي الفكرة عبر واجهة متحركة تفتح وتغلق وحداتها تبعا لحركة الشمس. فهي تحد من اكتساب الحرارة مع السماح بدخول الضوء الطبيعي، بما يقلل الحاجة إلى التكييف والإضاءة الاصطناعية. القيمة الاقتصادية للتصميم تظهر في الخدمات التي يحتاج المبنى إلى شرائها طوال عمره.

وخفض الطلب على الطاقة يسهل أيضا تغطية الاحتياج المتبقي بمصادر منخفضة الانبعاثات. لكن صافي الطاقة الصفري والحياد الكربوني يقيسان شيئين مختلفين: الأول يوازن الطاقة المستهلكة والطاقة المتجددة المنتجة خلال فترة، عادة سنة، بينما يقيس الثاني الانبعاثات ضمن نطاق محدد. وعند احتساب دورة حياة المبنى، تدخل مواد البناء والتشييد أيضا في الحساب.

لذلك، فإن تقليل فاتورة الكهرباء خطوة ذات عائد مباشر، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن المبنى حقق الحياد الكربوني.

حين يسدد الوفر تكلفة التحديث

في المباني القائمة، يمكن تحسين الأداء عبر استبدال المعدات وضبط تشغيلها وتطوير العزل. ويتيح عقد أداء الطاقة ربط هذه الأعمال بنتيجة قابلة للقياس، بحيث يتضمن التعاقد مستوى متفقا عليه من الوفورات وآلية للتحقق منه.

توجد ترتيبات مختلفة للتمويل. فقد يمول المالك المشروع، من موارده أو بقرض، وتحمل شركة خدمات الطاقة مسؤولية ضمان الأداء الفني. وفي نموذج آخر، تتولى شركة الخدمات توفير التمويل والتنفيذ، ثم تتقاسم الوفورات مع العميل خلال مدة العقد.

بهذا، تصبح الفاتورة السابقة مرجعا لتقدير قدرة المشروع على السداد. ويتوقف العائد على تكلفة المعدات والتمويل والصيانة، وحجم الوفر الفعلي، ومدة استمراره. ولا يعني وجود عقد أداء أن كل تحديث يمول نفسه تلقائيا أو يحقق فترة استرداد واحدة.

ومشروع مباني «ديوا» مثال محلي على تطبيق هذا المنطق. فقد شمل التبريد والتهوية والإضاءة والمياه والعزل، بما فيها تحديث منظومة المياه المبردة في المقر الرئيسي. وتكمن أهميته في ربط التحديث بوفورات تحققت على مدى سنوات، تتجاوز تقديرات مرحلة التصميم.

الإضاءة وحدها فرصة بملايين الدراهم

يظهر حجم الفرصة في اتفاق أعلنته مطارات دبي والاتحاد لخدمات الطاقة في يونيو 2025 لاستكمال تحديث الإضاءة في مطاري دبي الدولي وآل مكتوم الدولي.

تضمنت المرحلة المعلنة استبدال أكثر من 180 ألف وحدة إضاءة، إضافة إلى 150 ألف وحدة شملتها مرحلة سابقة، ليرتفع إجمالي المشروع إلى أكثر من 330 ألف وحدة.

وتوقعت الجهتان أن يخفض المشروع الاستهلاك السنوي بمقدار 47 مليون كيلووات ساعة، وأن يوفر أكثر من 20 مليون درهم سنويا. هذه تقديرات معلنة للعائد المنتظر، وليست حصيلة وفر نهائية مثبتة.

يوضح المثال كيف تتغير الحسابات عندما يتكرر التحسين عبر منشأة كبيرة. فالوفر في وحدة إضاءة واحدة محدود، لكن جمعه عبر مئات الآلاف من الوحدات يجعل تحديث المعدات قرارا مؤثرا في ميزانية التشغيل. ويمنح الموردين وشركات الخدمات فرصة لتقديم أعمال تمتد من التركيب إلى المتابعة والصيانة.

من يحصل على الفاتورة الأصغر؟

لتحويل هذه الفرص إلى سوق أوسع، يجب أن يكون توزيع التكلفة والعائد واضحا. ففي العقارات المؤجرة قد يتحمل المالك تكلفة التطوير بينما يستفيد المستأجر من انخفاض فاتورة الطاقة. ويمكن لعقود الإيجار التي تحدد التزامات الطرفين بشأن الكفاءة أن تساعد على تنسيق قراراتهما.

وتحتاج عقود الأداء إلى قياس موثوق يراعي تغير ساعات التشغيل والإشغال والطقس، حتى يعكس الوفر أثر التحديث نفسه. وتزيد العدادات وأنظمة التحكم والمتابعة من قدرة المالك والممول على تقييم النتيجة.

ومع اتساع هذا النموذج، يمكن أن يمتد دخل شركات المعدات والمقاولات إلى خدمات مستمرة مرتبطة بأداء المبنى. أما المالك، فتدخل تكلفة التشغيل المستقبلية بقوة أكبر في قراره الاستثماري. عندها تصبح كفاءة المبنى قيمة يمكن قياسها في الفاتورة والتعاقد عليها، وتوجيه جزء من عائدها إلى التحديث التالي.