حين يجد مدير استثمار عالمي في الإمارات شركة مدفوعات قابلة للتوسع، وشريكًا محليًا يستطيع الاستثمار معه، وفريقًا يدير الصفقة من داخل الدولة، تصبح العلاقة أوسع من جمع الأموال لإرسالها إلى الخارج. تتحول الإمارات نفسها إلى مكان تُبنى فيه فرص الاستثمار وتُموّل وتُدار.

هذا التحول يفسر موقع الإمارات المتقدم في أسواق رأس المال الخاص بالشرق الأوسط. فإلى جانب الثروات التي تبحث عن عائد، تتسع قاعدة الشركات والمشاريع التي تحتاج إلى تمويل طويل الأجل، وتتطور المؤسسات التي تصل بين الطرفين. رأس المال الخاص هنا هو المال المستثمر خارج الأسواق العامة، عبر حصص في شركات غير مدرجة أو تمويل مباشر أو أصول مثل البنية التحتية.

النتيجة المحتملة تمتد إلى طريقة نمو الاقتصاد: تستطيع الشركات استقطاب شركاء يمولون توسعها قبل الوصول إلى البورصة، ويمكن للمشاريع الكبرى الجمع بين رأس المال المحلي والخبرة الدولية.

مشاريع تجعل الاستثمار قريبًا

تفتح برامج التنويع الاقتصادي مجالات تتجاوز الأنشطة التقليدية، من المدفوعات الرقمية والخدمات الصحية والتعليم إلى الطاقة ومراكز البيانات. وكلما اتسعت هذه الأنشطة، زاد عدد الشركات والأصول التي يستطيع المستثمر شراء حصة فيها أو تمويل نموها.

ويقدّر معهد بلاك روك للاستثمار الإنفاق الرأسمالي الاستراتيجي لدول الخليج بنحو 2.1 تريليون دولار خلال الفترة من 2026 إلى 2030. يشمل التقدير أموالًا حكومية وسيادية وخاصة وشراكات بينها، ويجمع مشاريع في مراحل مختلفة؛ لذلك لا يمثل أموالًا صُرفت بالفعل، ولا حجم سوق رأس المال الخاص وحده.

أهمية الرقم أنه يرسم حجم النشاط الذي قد يحتاج إلى قنوات تمويل متعددة. فمركز البيانات، على سبيل المثال، يحتاج إلى مبنى وطاقة وتبريد واتصال وعقود مع العملاء. ويمكن أن تستقطب هذه المكونات مستثمرين مختلفين، لكل منهم خبرة وأفق زمني يناسب جزءًا من المشروع.

وتمنح هذه الفرص المستثمر سببًا لتخصيص فرق وأموال للمنطقة. القرب من المشروع يساعده على فحص الطلب والتكاليف والشركاء، ومتابعة التنفيذ بعد ضخ التمويل.

رأس المال يحتاج إلى مؤسسات

تمتلك الإمارات عنصرًا آخر في هذه المعادلة: قاعدة من الصناديق السيادية وشركات الاستثمار والمكاتب العائلية، وهي الجهات التي تدير ثروات العائلات وتوزعها على استثمارات مختلفة.

تبلغ حصة رأس المال الخاص في استثمارات الصناديق السيادية بالشرق الأوسط 43%، مقابل 35% لدى نظيراتها خارج المنطقة. وهذه النسبة تقيس اختيار فئة الأصول، ولا تعني أن 43% من الأموال مستثمرة محليًا. لكنها تكشف وجود مستثمرين معتادين على صفقات تحتاج إلى الصبر والخبرة والمتابعة.

كما تشكل المكاتب العائلية نحو نصف المستثمرين النشطين في رأس المال الخاص بالمنطقة. النسبة تخص عدد المستثمرين، وليس نصف قيمة الأموال، لكنها توضح اتساع قاعدة المشاركين إلى جانب المؤسسات السيادية الكبيرة.

ويمكن لهذا التنوع أن يدعم أحجامًا مختلفة من الصفقات. فشركة متوسطة تسعى إلى دخول أسواق جديدة تحتاج إلى شريك يختلف عن المستثمر الذي يمول مشروع بنية تحتية لعقود. وجود الطرفين يوسع الخيارات المتاحة أمام الشركات.

وفي الشراكات الاستثمارية، يستطيع الطرف المحلي تقديم معرفة بالسوق ومساهمة مالية أولية، فيما يجلب مدير الاستثمار الدولي خبرة القطاع وشبكة من المستثمرين والعملاء. ويصبح جمع التمويل أسهل عندما يتوافر مشروع واضح وفريق يستطيع تنفيذه.

من الثروة إلى صفقات

تقدم استثمارات بروكفيلد أمثلة على انتقال هذه العلاقة إلى الاقتصاد الفعلي. فقد استحوذت في 2024 على «نتورك إنترناشيونال» للمدفوعات الرقمية، بعد استثمارها في «ماغناتي» عام 2022 بالشراكة مع بنك أبوظبي الأول. وفي 2024 أيضًا، اتفقت مع شركاء مؤسسيين على الاستثمار في مجموعة «جيمس للتعليم».

تجمع هذه الأنشطة سمة مهمة: شركات تخدم عملاء وتحقق إيرادات، ويمكن توسيع أعمالها أو تحسين خدماتها بالتكنولوجيا والإدارة. لذلك يجد رأس المال الخاص فرصته في تمويل النمو والعمل مع الشركة على زيادة قيمتها بمرور الوقت.

وفي مايو 2025، أعلنت «لونيت» وبروكفيلد مشروعًا مشتركًا باستثمارات متوقعة في حقوق الملكية تبلغ مليار دولار، يستهدف العقارات السكنية في الإمارات والسعودية وأسواق أخرى بالشرق الأوسط. الرقم حجم مستهدف للمشروع، وليس إعلانًا عن إنفاق المليار كاملًا.

وتوضح الشراكة كيف تتحول الخبرة المحلية والعلاقات الدولية إلى أداة استثمار تستهدف أصولًا داخل المنطقة. كما تُظهر أن الإمارات تستطيع أداء دورين متكاملين: استقبال الاستثمار، وإدارة استثمارات تصل إلى أسواق مجاورة.

ما الذي يبقى داخل الاقتصاد؟

تحتاج هذه الصفقات إلى مديري صناديق ومحامين ومحاسبين ومقيمي أصول وفرق تقنية. ومع تكرارها، تتسع الخدمات والخبرات التي تساعد على تنفيذ صفقات جديدة.

بلغ عدد مديري الأصول والصناديق في سوق أبوظبي العالمي 190 بنهاية النصف الأول من 2026، يديرون 276 صندوقًا، فيما نمت الأصول المدارة داخله 54% على أساس سنوي. هذه مؤشرات على اتساع نشاط إدارة الاستثمار، ولا تعني أن جميع الأصول المدارة وُظفت في الاقتصاد الإماراتي.

ومع ذلك، فإن وجود فرق الاستثمار داخل الدولة يضيف قيمة تتجاوز مقر الشركة. فهو يقرّب أصحاب القرار من الشركات المحلية، ويزيد فرص بناء الشراكات ونقل الخبرة، ويوسع الطلب على الوظائف المالية المتخصصة.

أما الشركة التي تستقبل التمويل، فقد تكسب شريكًا يساعدها على التوسع أو تطوير الإدارة، مقابل حصة من الملكية ودور في اتخاذ القرار. ويظل نجاح الاستثمار مرتبطًا بقدرة النشاط على توليد الإيرادات، وبسعر الدخول وخطة البيع أو الإدراج لاحقًا.

سيُقاس عمق التحول بعدد الشركات التي تحصل على تمويل وتتوسع، وبالمشاريع التي تدخل التشغيل، وبقدرة المستثمرين على التخارج وإعادة توظيف أموالهم. فهذه الدورة هي التي تجعل تدفق رأس المال قابلًا للاستمرار.

وتملك الإمارات مقومات الجمع بين هذه المراحل: مستثمرون محليون، وشركاء دوليون، وشركات ومشاريع تستقبل التمويل، ومؤسسات تدير العملية. وكلما زادت الروابط بينها، اتسع دور رأس المال الخاص في بناء مصادر جديدة للنمو.