حين تتوسع شركة في الإمارات، قد يحتاج نشاطها إلى تمويل وتأمين وخدمات رقمية وموردين محليين في الوقت نفسه. هذه الروابط تفسر أهمية اتساع الاقتصاد غير النفطي: كل نشاط قادر على خلق سوق لأنشطة أخرى، فتتوزع فرص الأعمال عبر سلسلة أطول من الشركات والخدمات.

وتضع بيانات النصف الأول من 2026 حجم هذه القاعدة في صورة واضحة. فقد بلغت مساهمة الأنشطة غير النفطية 79.2% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، مقابل 78.1% قبل عام، مع نموها بنسبة 1.8%. ووصل الاقتصاد ككل إلى 961.9 مليار درهم بالأسعار الثابتة، بنمو 0.4%.

قرابة أربعة أخماس النشاط الاقتصادي تأتي، إذن، من قطاعات غير نفطية. لكن أهمية الرقم لأصحاب الأعمال تتجاوز حجم الحصة إلى طبيعة الأنشطة التي تتكون منها، وقدرتها على تحويل حركة التجارة والاستثمار إلى طلب على منتجات وخدمات داخل الدولة.

التجارة تحتاج إلى أكثر من بضاعة

تصدرت التجارة القطاعات المساهمة في الناتج غير النفطي بحصة 16.2%، تلتها الأنشطة المالية والتأمين بنسبة 15.2%، ثم التشييد والبناء عند 13.1%، والصناعات التحويلية عند 11.8%. ويكشف هذا التوزيع حضورًا واسعًا لأنشطة تتبادل الخدمات والمدخلات.

فالشركة التي تبيع في أسواق خارجية تحتاج إلى إدارة المخزون والنقل والتحصيل، وقد تحتاج إلى تمويل الفترة بين شراء البضاعة والحصول على ثمنها. والمصنع يحتاج إلى منشأة وتجهيزات وصيانة وبرمجيات، إلى جانب شبكة توزيع. هذه احتياجات تشغيلية تفتح مجالًا لشركات أخرى، حتى لو لم تكن هي المصدر أو المصنع.

ومن هنا، قد يجد مورد متخصص فرصته في خدمة شركات تعمل بالفعل. فعقد صيانة أو نظام لإدارة الطلبات أو خدمة لتأمين الشحنات يمكن أن يكون حلقة في سلسلة أعمال أكبر. ويظل تحقق الفرصة مرتبطًا بالطلب الفعلي والأسعار والقدرة على المنافسة، لا بمجرد ارتفاع حصة القطاع في الاقتصاد.

التمويل يتحرك داخل المنظومة

سجلت الأنشطة المالية والتأمين نموًا بلغ 14.8% خلال النصف الأول، بينما نمت المعلومات والاتصالات 7.3%، والتشييد والبناء 5.1%. ولكل منها دور مختلف: تمويل النشاط وحماية بعض مخاطره، أو تشغيله رقميًا، أو توفير المساحات والمنشآت التي يحتاجها.

وتظهر خلفية هذا الترابط في توسع الائتمان للقطاع الخاص خلال السنوات السابقة. ففي الربع الثاني من 2025، بلغ نموه السنوي 9.2%، مع استمرار قوة السيولة ورأس المال في البنوك. هذه خلفية تساعد على فهم دور التمويل في توسع الأعمال، لكنها لا تعني أن كل شركة تحصل على قرض، أو أن نمو الخدمات المالية يساوي نمو أرباح العملاء.

والأثر الأوسع للتنوع يظهر حين تستطيع الشركة شراء قدر أكبر من احتياجاتها من السوق المحلية. عندها تتوزع قيمة نشاطها بين المصنع والمورد وشركة التقنية ومقدم الخدمة المالية، بدل أن تنحصر في الصفقة النهائية وحدها.

من حركة التجارة إلى القيمة المحلية

تقدم بيانات التجارة الخارجية مؤشرًا آخر على اتساع الأسواق التي تتعامل معها الشركات. فقد بلغت التجارة غير النفطية 1.937 تريليون درهم في النصف الأول من 2026، بنمو 13.1%، ووصلت الصادرات غير النفطية إلى 452.8 مليار درهم، بزيادة 23.9%.

وهذه قيم للتدفقات التجارية، لا تضاف إلى الناتج المحلي ولا تقارن مباشرة بمعدل نموه الحقيقي. كما أن ارتفاع قيمة التجارة لا يكشف وحده مقدار الإنتاج المحلي الإضافي، لأن الأسعار وتركيب السلع والواردات وإعادة التصدير تؤثر في الرقم.

ما يهم النشاط داخل الدولة هو مقدار القيمة التي تحتفظ بها الشركات من التصنيع والتوزيع والخدمات المرتبطة بهذه التدفقات. وكلما اتسعت الخدمات المحلية التي تحتاجها التجارة، ازدادت المسارات التي يمكن أن تنتقل عبرها فرص الأعمال إلى شركات أصغر ومتخصصة.

وتدعم اتفاقيات الشراكة الاقتصادية هذا الاتجاه بتوسيع الوصول إلى الأسواق. لكن تحويل الوصول إلى مبيعات يتطلب منتجًا مناسبًا وشبكة توزيع وقدرة على التسليم والتحصيل، وهي بدورها مجالات لعمل شركات متعددة.

كيف نقرأ حصة 79.2%؟

تقيس هذه النسبة وزن الأنشطة غير النفطية في الناتج الحقيقي. وهي ليست حصة القطاع الخاص، ولا نسبة الإيرادات الحكومية غير النفطية، ولا دليلًا على انفصال القطاعات عن بعضها. كما أن زيادة الحصة تتأثر بأداء الأنشطة النفطية وغير النفطية معًا.

وتظل أرقام النصف الأول تقديرات أولية، مع انتظار سلسلة وطنية محدثة بعد المراجعة الشاملة خلال الربع الأول من 2027. لذلك، يحتاج تتبع التحول إلى النظر أيضًا في الإنتاجية والصادرات ذات القيمة المضافة واتساع قاعدة الموردين.

بالنسبة إلى صاحب شركة، تترجم هذه الخريطة إلى سؤال عملي: أي احتياج تستطيع خدمته داخل القطاعات المتنامية؟ فقد تبدأ فرصته من عميل واحد، ثم تتسع مع قدرته على تقديم الخدمة نفسها إلى التجارة والصناعة والبناء. هناك يصبح تنوع الاقتصاد تنوعًا في مصادر الإيراد على مستوى الشركة نفسها.