وصلت الإمارات إلى المرتبة 25 عالمياً في مؤشر الابتكار العالمي 2026 بعدما جمعت عناصر تحتاج إليها الفكرة كي تصبح عملاً: مواهب، وتمويلاً، وبيئة لتأسيس الشركات، وبنية تحتية تساعدها على الوصول إلى العملاء. التقدم خمسة مراكز عن العام السابق يضعها للمرة الأولى بين أفضل 25 اقتصاداً في الابتكار من أصل 139 اقتصاداً.

خلف هذا الترتيب، تتضح ملامح تحول اقتصادي أوسع. فالدولة التي تستقطب الشركات ورؤوس الأموال تستطيع توسيع دورها لتصبح مكاناً لتطوير المنتجات والخدمات أيضاً، ثم بيعها خارج حدودها. وتعطي نتائج الإمارات إشارات إلى هذا المسار، من استقطاب الطلبة والاستثمارات التقنية إلى انتشار التطبيقات والعلامات التجارية.

مسار بدأ قبل ترتيب 2026

في أكتوبر 2014، أطلقت الإمارات الاستراتيجية الوطنية للابتكار، وحددت سبعة قطاعات للعمل: الطاقة المتجددة، والنقل، والتعليم، والصحة، والتكنولوجيا، والمياه، والفضاء. وقدمت هذه الأولويات إطاراً لربط الابتكار باحتياجات فعلية في الاقتصاد والخدمات.

أهمية هذا الاختيار أن البحث يحتاج إلى مشكلة يحلها وسوق تستخدم نتائجه. فتطوير تقنية للطاقة أو المياه يمكن أن يبدأ باستجابة لحاجة محلية، ثم يفتح مجالاً أمام منتج أو خدمة قابلة للبيع في أسواق أخرى. ويصبح الاستثمار في المعرفة جزءاً من بناء نشاط اقتصادي مستمر.

وتظهر قوة البيئة المحيطة بالابتكار في نتائج 2026: الإمارات تاسعة عالمياً في المؤسسات، وفي المرتبة 13 في كل من رأس المال البشري والبحث والبنية التحتية. أما في المحاور الفرعية، فتحل ثانية في بيئة الأعمال وخامسة في البنية التحتية العامة.

هذه العناصر مهمة للشركة قبل أن تبيع أول منتج. فوضوح البيئة المؤسسية، وتوافر المهارات، وجودة الخدمات والاتصال تؤثر في الوقت والمال اللازمين لبدء النشاط وتوسيعه. وتساعد قوتها مجتمعة في تفسير قدرة الإمارات على جذب أعمال قائمة على المعرفة.

جمع الموهبة والتمويل في مكان واحد

تصدرت الإمارات عالمياً مؤشرات سياسات وثقافة ريادة الأعمال، واستقطاب الطلبة الدوليين، وتمويل الشركات الناشئة والآخذة في التوسع. كما جاءت أولى في محور التعليم العالي.

بالنسبة إلى شركة ناشئة، تكمن قيمة هذا التجمع في اتساع فرص العثور على المهارات والشركاء والممولين داخل البيئة نفسها. فالتمويل يتيح تطوير المنتج، لكن نجاحه يحتاج إلى فريق يستطيع تنفيذه، ثم إلى إدارة قادرة على بناء عمل حوله. واستقطاب الطلبة يوسع قاعدة المواهب المحتملة، خصوصاً حين تتصل الدراسة باحتياجات الشركات والبحث.

وتعكس صدارة تمويل الشركات تقييماً لمدى توافر التمويل لبدء الأعمال وتنميتها، يستند إلى آراء خبراء عبر عدة سنوات. فهي تقيس جودة البيئة التمويلية، ولا تعني أن الإمارات تستحوذ على أكبر مبلغ من رأس المال الجريء عالمياً.

ويفسر ذلك جانباً من قوة النموذج: تحسين الظروف التي تتحرك فيها الشركة عبر مراحلها، من التأسيس والتجربة إلى التوسع. وفي مؤشر مدخلات الابتكار، الذي يجمع الموارد والظروف المساندة لهذه العملية، تقدمت الإمارات من المرتبة 14 إلى 12 عالمياً.

جذب النشاط الذي يصنع المعرفة

جاءت الإمارات أيضاً أولى عالمياً في مؤشر الاستثمارات الجديدة في البحث والتطوير والتقنيات المتقدمة، وهو مقياس أضيف إلى نسخة 2026 لرصد مشروعات الاستثمار الأجنبي الجديدة المعلنة في هذه الأنشطة.

ويمتد نطاقه إلى البحث والتصميم والتطوير والاختبار، وإلى قطاعات مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الحيوية والبرمجيات. وهذه أنشطة يمكنها توسيع الوظائف المتخصصة وفرص التعاون مع الموردين والجامعات. وتظل المشروعات المعلنة مختلفة عن الاستثمارات المنفذة بالفعل.

ويتسق هذا الاتجاه مع توسع الاستثمارات الأجنبية المرتبطة بالبحث والتطوير في الإمارات نحو البرمجيات والخدمات الرقمية والأنشطة التقنية، مع دور محوري لدبي وأبوظبي. وتكمن الفرصة في أن تؤدي استضافة الشركات إلى بناء فرق ومنتجات ومعرفة داخل الدولة، إلى جانب نشاط البيع والتوزيع.

كلما اتسعت هذه الأنشطة، زادت فرص انتقال الخبرة بين الشركات والباحثين ورواد الأعمال. وقد تستفيد شركة محلية من شريك تقني أو مورد متخصص، بينما يجد المستثمر الأجنبي مهارات وخدمات تساعده على توسيع نشاطه.

حين تصل الأفكار إلى الأسواق

تظهر بعض النتائج في المنتجات التي تعبر الحدود. فقد سجلت التطبيقات التابعة لمطورين وشركات مقرها الإمارات نحو 2.91 مليار عملية تنزيل عالمياً خلال 2025، بزيادة 9.81% عن 2024، وجاءت الدولة سابعة عالمياً في مؤشر إنشاء تطبيقات الهاتف المحمول.

هذه التنزيلات لا تساوي إيرادات أو مستخدمين فريدين، لكنها تعطي إشارة إلى مدى وصول المنتجات الرقمية. وتتيح طبيعة التطبيقات للشركة مخاطبة أسواق واسعة من مقر واحد، بما يوسع فرص نمو أعمالها خارج حجم السوق المحلية.

وفي العلامات التجارية، بلغت القيمة الإجمالية للعلامات الإماراتية المدرجة ضمن أكبر 5000 علامة عالمية نحو 101.66 مليار دولار في 2026، بزيادة 15%. وهي قيمة تقديرية لأصل غير ملموس تبنيه الشركة بالسمعة وثقة العملاء، وليست إيراداً سنوياً.

كذلك بلغت الصادرات عالية التقنية نحو 68.05 مليار دولار في 2024، بزيادة 36.35% عن 2023. ويشير الرقم إلى اتساع النشاط التجاري المرتبط بالتقنية، دون أن يحدد بمفرده مقدار القيمة التي أُنتجت محلياً.

وتقدمت الإمارات خمسة مراكز في مخرجات الابتكار، بالتوازي مع تحسن مدخلاته. لذلك لا يختزل الوصول إلى قائمة الـ25 في عامل منفرد، بل يعكس أداء منظومة تجمع الموارد والقدرة على استخدامها. وتبقى متابعة تحول المواهب والتمويل والمشروعات الجديدة إلى منتجات وإيرادات ووظائف متخصصة هي الطريقة الأوضح لقياس العائد الاقتصادي لهذا المسار.