قد تستعيد السفن قدرتها على عبور هرمز، لكن الاستثمارات في تجاوزه تستطيع الاحتفاظ بقيمتها. فالمصنع الذي يجد طريقا آخر لوصول المواد الخام وتصدير منتجاته، يملك مساحة أكبر لمواصلة العمل حين يتعطل أحد المسارات. والميناء المتصل بهذا المصنع يستطيع كسب أعمال تتجاوز تفريغ الشحنات في أوقات الطوارئ.
هذا هو التحول الذي تكشفه توسعات البنية التحتية الإماراتية: بناء شبكة تمنح التجارة خيارات أكثر، وتحويل هذه الخيارات إلى خدمات تدر إيرادات. وتجمع الخطوات المعلنة بين زيادة طاقة تصدير النفط عبر الفجيرة، وربط مرافئها بالمناطق الصناعية بالقطارات، واستقطاب رأس مال دولي لتمويل البنية التحتية.
وفي قلب هذا التوجه تبرز «لعماد القابضة»، المنصة الاستثمارية السيادية التي يرأس مجلس إدارتها الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي. ونقلت بلومبرغ عن مطلعين توقعهم إنفاق عشرات المليارات الإضافية على موانئ خارج المضيق، ضمن توجه وصفته باسم «صفر هرمز». وتبقى هذه التقديرات معلومات منسوبة إلى مصادر، وليست ميزانية استثمارية معلنة.
لماذا تتجاوز القصة شراء الموانئ؟
كانت «لعماد» تسيطر بالفعل على موانئ أبوظبي قبل عرض شراء الأسهم المتبقية. فعبر شركتها التابعة «القابضة ADQ»، امتلكت 75.42% من المجموعة، ثم قدمت عرضا بسعر 6.25 درهم للسهم. لذلك، فإن التقييم الذي يقارب 9 مليارات دولار يخص الشركة بالكامل، وليس المبلغ المطلوب لشراء حصة الأقلية.
وتقدمت العملية خلال سبتمبر. وبحسب إفصاح نقلته صحيفة الاتحاد في 26 سبتمبر، وصلت حصة ADQ إلى 98.93% عقب تسوية العرض، وبدأت إجراءات الاستحواذ الإلزامي على الأسهم المتبقية. وهذا تقدم نحو الملكية الكاملة، مع بقاء إجراءات لاستكمالها.
وتشرح مبررات الصفقة طبيعة المرحلة المقبلة. فقد قالت «لعماد» إن نمو موانئ أبوظبي سيكون كثيف الاحتياج إلى رأس المال وطويل الأجل، وإن الملكية الكاملة تمنحها مرونة أكبر في الاستثمار والاستحواذات والتحول التشغيلي.
إنشاء ممر تجاري يحتاج إلى إنفاق متتابع قبل اكتمال إيراداته: أرصفة ومعدات مناولة ومستودعات وروابط نقل. وكل حلقة ترفع فائدة الأخرى. فالقدرة الإضافية في الميناء تصبح أكثر قيمة عندما تصل البضائع منه إلى المصانع بسرعة، وتزداد جدوى خط النقل عندما يجد شحنات منتظمة.
وبذلك، يحمل توحيد الملكية وعدا بتنسيق قرارات الاستثمار عبر سنوات، بينما يظل الاختبار الفعلي هو تحويل الإنفاق إلى شبكة يستخدمها العملاء.
الفجيرة تصبح أقرب إلى المصنع
يقدم خط الشحن بين مرافئ الفجيرة ومدينة أبوظبي الصناعية «آيكاد» مثالا عمليا على ذلك. ففي 20 سبتمبر، أعلنت قطارات الاتحاد ومجموعة موانئ أبوظبي إطلاق خدمة مباشرة تعمل ثلاث مرات أسبوعيا، تتيح نقل الحاويات إلى بوابة داخلية تتوافر فيها خدمات التفتيش والتخليص والإفراج عن البضائع.
والتغيير المهم للتاجر أن حجز الشحنة يمكن أن يكون إلى «آيكاد» نفسها باعتبارها وجهة الوصول والتخليص. تصل الحاوية بحرا إلى الفجيرة، ثم تكمل رحلتها بالقطار إلى نقطة أقرب إلى المستودع أو المصنع.
هذه الخدمة تمنح الميناء الواقع خارج هرمز امتدادا داخل الاقتصاد. فاختيار مسار الشحنة يعتمد على الرحلة بأكملها، بما فيها النقل البري والمناولة والجمارك وموعد التسليم. وكلما اتصلت هذه المراحل، أصبح استخدام المسار البديل أسهل في الظروف العادية أيضا.
وبالتوازي، أعلنت أدنوك في مايو أن خط أنابيبها الجديد بين الغرب والشرق سيضاعف قدرتها على التصدير عبر الفجيرة. وكان المشروع قيد الإنشاء، مع توقع تشغيله في 2027 وتوجيه بتسريع تنفيذه.
وتخدم الأنابيب والقطارات احتياجات مختلفة. فالخام يحتاج إلى منفذ تصدير مخصص، بينما تحتاج المصانع والتجارة إلى حركة حاويات وبضائع. الجمع بين المسارين يوسع نطاق الاستفادة من الساحل الشرقي إلى قطاعات تتجاوز النفط.
من يمول قيمة الطريق البديل؟
تحتاج هذه الشبكات إلى مستثمرين يستطيعون انتظار عوائدها. وفي مايو، أعلنت «غلوبال إنفراستركتشر بارتنرز»، التابعة لبلاك روك، و«لعماد» وأدنوك وتماسيك شراكة تستهدف استثمارات بقيمة 30 مليار دولار، باستخدام مزيج من رأس المال والديون.
وهذا الرقم ليس مخصصا كله لتجاوز هرمز. فالنطاق المعلن يشمل الخليج وآسيا الوسطى، وفرصا مختارة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقطاعات منها الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والمياه والبنية الرقمية. كما أنه هدف استثماري، لا أموال جرى إنفاقها بالفعل.
لكن الشراكة توضح كيف يمكن تمويل التوسع. يشارك المستثمر الدولي في أصل يتوقع منه تدفقات نقدية طويلة الأجل، بينما تستفيد الدولة من زيادة قدرة اقتصادها على نقل السلع والطاقة. وقد تأتي إيرادات الأصل من المناولة والتخزين والنقل، فيما تمتد فائدته الاقتصادية إلى استمرار الإنتاج والوفاء بمواعيد التسليم.
ومن ثم، يمكن أن تتجاوز قيمة الطريق البديل ما يظهر في حسابات مشغله. فالشركة التي تتجنب تأخر المواد الخام تستفيد بدورها، حتى إن لم تكن مالكة للميناء أو السكة الحديدية.
ما الذي يبقى بعد الأزمة؟
نجاح هذه الاستثمارات يتوقف على قدرتها على جذب الشحنات بصورة منتظمة. فالمسار الذي يقدم مواعيد موثوقة وتكلفة منافسة وخدمات مترابطة يستطيع الاحتفاظ بعملائه بعد تحسن الملاحة، ويصبح جزءا دائما من قرارات التوريد والتصدير.
ولهذا، سيكون تشغيل القدرات الجديدة وحجم استخدامها أكثر دلالة من قيمة الإعلانات وحدها. ما مقدار البضائع التي تنتقل عبر الشبكة؟ وهل تقل المدة بين وصول السفينة وتسليم الشحنة؟ وهل تتحول الطرق الجديدة إلى خيارات يومية للمصانع والتجار؟
عندها تتضح النتيجة الاقتصادية الأهم: استثمار يحمي قدرة التجارة على الاستمرار، ويكسب إيراداته من استخدامها الفعلي. وتصبح حرية اختيار الطريق جزءا من قيمة البنية التحتية الإماراتية، حتى عندما يكون هرمز مفتوحا.




